الجمعة، 7 نوفمبر 2014

ألوان الطيف

 
ألوان الطيف
 
اتحدت الأيدي في إهالة تراب حفرة القبر، الذي وضعوا فيه جسدي الملفوف بالقماش الأبيض، ارتعدت روحي عندما أحست أنها تنسحب بقوة طاغية إلى اللحد، سرعة الحدث أذهلتني وألزمتني الحيرة، انعدام الضوء والسكون المتحد مع العتمة، خلق الرعب الأسود، تكورت روحي وسط أربعة جدران لا وجود لها، لكنها تقلصت فعليا باتجاهي، حتى ضغطتني بقوة عنيفة قطعت فيها أنفاس روحي المسكينة، كأني تحت مجموعة من الجبال الشاهقة، الذهول اشل حيلتي واعدمني القدرة، الهلاك والعدم كان السبيل الوحيد الذي تمنيته في حينها للخلاص من الجحيم المرعب، النجاة كانت نقطة من النور، لاحت في وسط العتمة، انفلقت فاستحال الظلام نورا وعم الضوء، أيقنت بالخلاص وسكنت روحي  وطافت تمسح المكان وتستكشف الحال، رغم انعدام الحدود والرسوم والأشكال، حاولت أن افسر النور، لكن بسرعة انبثقت نقطة دائرية متعددة الألوان، بدأت تتسع حتى أمست وكأنها برزخ متموج ذو فجوة شبه أسطوانية جذبتني بقوة مغناطيسية، فصرت داخل وسط حلقات من ألوان قوس قزح، متصلة بعضها في بعض، وبدى البرزخ الإهليجي لا نهاية له، حتى بدأت أسمع بعض الأصوات البشرية دون تمييز، ثم بدأت تتلاشى تلك الحلقات الملونة، وبدأ الصوت يتضح لي اكثر فأكثر، فتحت عيني بصعوبة بسبب ثقل أجفاني، قلت بصوت مبحوح أين أنا؟.. أمسكت بي يد وأحسست بشخص ينحني فوقي قائلا: الحمد لله على سلامتك، لقد انتهت الآن عمليتك الجراحية، وقد أفقت من المخدر، وبعد ساعة سوف تصحو نهائيا من أثر التخدير.

رحلة الأحزان

 

رحلة الأحزان


الليل وحش رهيب، أطفال قلوبهم تخفق خوفا، نساء أيامى وثواكل، خربة لا سقف فيها ولا ضياء، افترشوا التراب والتحفوا ظلمة السماء جميعا، الوسن لا يطاوعهم، فهو مارد عصي عن الحضور، صور الأحباب تمر وكأنها شريط أحمر اللون قاني مثل لون أرض كربلاء، التي اصطبغت في يوم عاشوراء بدماء السعداء، المصير أسود مجهول الهوية، والنهاية ليست كمثل البداية، هن خرجن مع الحماة والغيارى من أبناء الرسول والمرتضى، يحدون بهن على ظهران العيس، في الهوادج مخدرات لا يراهن قمر ولا تحرقهن شمس، لكن رحلتهن من كربلاء إلى الكوفة، ثم إلى الشام كانت محملة بالأسى واللوعة والأحزان والضرب المهين، بنات الرسالة المحمدية، أمسين اليوم سبايا في خربة، أهدين من العراق إلى فرعون الشام، رقية طفلة صغيرة من بنات الحسين، فقدت بصرها بمرض عابر، لم يتسن لها رؤية رأس أبيها وأخوتها تحمل على أسنة الرماح، فتحت عينيها فشاهدت كتل التراب وظلمة الليل الدامس، راعها المشهد المعتم، صاحت والشوق والحنين يحثان الخطى، نحو رؤية ريحانة الرسول وحبيب الزهراء البتول، الهاشميات أمسين لا يعرفن مهرب أو مخرج في سبيل أقناع طفلة الحسين ذات الخمس سنوات، ما زالت رقية تصرخ بقوة الرعد، حتى أضج بكاؤها ونحيبها مسامع ذلك الرعديد، الذي تخيل أن البرق يكاد يخطف أنفاسه، جعل يديه على مسامعه، لكن الصوت الهادر، أريد أبي، عبرّ بين مفارق أصابعه الملوثة بالدماء الزكية، رقية لا يرقّيها غير أحضان أبيها الذبيح من قفاه..
لم يستطع الهجوع، الأرق حالف أصوات رقية، النعاس فارق عينيه، دماء شهداء كربلاء، حرق خيام حرم الرسالة، أشباح تمر أمام ناظريه وخياله، أحدثت الرعب والهلع، حتى بدت تلك الرؤوس الشوامخ فوق رؤوس الرماح، تزلزل جميع أركانه، وهو يسمع منها الترتيل وآيات التنزيل، صورة المظلوم ونظراته تترصده وتتبعه في ذهابه وإيابه، فصاح في أتباعه، أسكتوا صوت الطفلة، أعصابي تنهار لا أريد سماع صوتها المزعج، أريد الراحة والسكينة التي فارقتني منذ قتل الحسين وسبي عياله...
- هي تريد رؤية أبيها الذبيح...
- خذوا إليها أباها!...
حملوا طستا، أسرعوا به إلى الخربة، وضعوه أمام رقية، صاحت: لا أريد الطعام!، أريد أبي، نحّوه عني، أريد أبي!!..
رفعوا الغطاء عن الطست، أمعنت النظر إليه، شاهدت رأس أبيها، صاحت بصوت عالٍ، أبي حسين... من فصل رأسك الشريف عن جسدك، من قطع أوداجك بشفرة السيف، من أحزن المصطفى. من أبكى البتول الزاهرة، من أقرح قلب المرتضى، من أيتمني منك، من حرمني حنانك، من خضب شيبك المهيب؟..
انحنت عليه ضمته بين ذراعيها، أحتضنها وضمها إلى صدره الدافئ، أحس قلبها الصغير بالحنان والأمان، أثرت الرحيل على البقاء في دنيا الأحزان، تمسكت به ورحلت معه إلى برزخ القدس، سكن صوت الطفلة وعم الوجل والبكاء، وأسدل ستار الرحيل على أوجاع الفراق.


ملاحظة: القصة اشتركت في مهرجان السفير سنة 2014 وحصلت على المركز الخامس.

الخميس، 6 نوفمبر 2014

نقد ثالث لقصة خفايا الجسد: بقلم الأستاذ الناقد: ظاهر حبيب الكلابي/ العراق

 
نقد ثالث لقصة خفايا الجسد
بقلم الأستاذ الناقد: ظاهر حبيب الكلابي/ العراق
 
خفايا الجسد للقاص فلاح العيساوي في النقد القصصي.
ان ما يلفت اهتمام القارئ لهذا النص السردي هو موضوعة الجسد الانساني عندما يكون مشكلا في تحديد الهوية الجنسية ومأساة تشرنق الذات الانسانية وتشظيها في جسد واحد يحتدم الصراع فيه بين فحولة الرجل وجسد الانثى الى جانب بناء الشكل السردي الذي يتمتع بتجليات ورغائب نفسية فقد جاء السرد بتقنيات حداثية تتجلى في البنية الاسلوبية ودراميتها ودينامية الصراع الذاتي عند الشخصية المحورية كفاح حيث كانت اللغة تحفز الشعور بجمالية الفضاءات السردية والقها خاصة تلك اللغة التي تتجول في جوانية البطلة كفاح وهي تصارع رغبة الرجولة داخلها وتأمل في تجاوز عقبة الانوثة باحثة عن انوثة خارج خارطة جسدها المقموع بسلطة الفحولة. اذ تبدو المتون الحكائية بكل احداثها وشخصياتها مفعمة بالحياة متجاوزة لليأس والقنوط نابضة بالصدق والعفوية الطاغية. كانت البنية الدلالية للنص لا تتسم بالغموض وان كانت خاضعة لأسلوبية تعبيرية تستعير مواطن الرمز والايماء جاعلة من تركيب شخصية الرجل في جسد الانثى كفاح السبيل لتخطي صلابة الواقع الاجتماعي وسطوة العرف والخوف والفشل.
ينفتح السرد على افاق العوالم الداخلية النفسية للبطلة كفاح ليوحي لنا طبيعة الصراع بين الرغبة في الخلاص من الانثى ككينونة وتاريخ تعطيل الرغبة الجسدية من خلال اظهار شخصية الرجل الصارخ داخلها من القوة الى الفعل والتحقق بأجراء عملية جراحية كما ألحّت عليها صديقتها سوسن التي ستكون زوجة المستقبل وبين المكوث في عذاب جسد الانثى فكان الاذعان لرغبة الصديقة هو اختزالا للبنية النفسية والاجتماعية اللاواعية الضاغطة ويبلغ الصراع ذروته الدرامية في اعماق كفاح التي ظلت تعاني قلقا وضغطا نفسيا متزايدا مع تزايد ونمو حاجات الرجل من داخل جسد الانثى يراوح بين الاقدام والاحجام حتى تمكنت من تجاوز العقبة وتخطي الواقع وكسر القيود النفسية والاجتماعية الثقيلة بأجراء عملية التحول واسدال الستار على المشهد السردي السابق الذي شكل استهلالية السرد لينفتح السرد على مشهد اخر وفضاء سردي اخر بشخصياته وعوالمه المتميزة حيث حققت الشخصية المنكسرة كفاح حلمها في شخصية جديدة تتصف بكامل فحولتها ذاتا ومظهرا ورغبات فطرية فهو اجتياز لقدرية الاشياء وصدمة الوجود نحو عالم يمور بالاتساق والاتزان.
ان براعة السرد عند القاص فلاح العيساوي تتجلى في انطاق المسكوت عنه وتخطيه من خلال البناء المحكم للحدث واللغة السردية الرائعة التي رفدت الحكي بطاقة ايهاميه عالية جعلته قادرا على جذب فضول القارئ وتحقيق انفعاليته في المشاركة الوجدانية. يقترن هذا النمط من السرد، السرد بضمير المتكلم يسمى الراوي المشارك او المصاحب او ظاهرة تعدد الاصوات وهي تقنية مستفادة من المسرح لذا تقترب بنية السرد هنا من البنية الدرامية او ما يدعى بالحوارية في السرد سواء كانت بأسلوب (الحوار - الدايلوج) بين شخوص وذوات اخرى او الحوار الداخلي للشخصية كما لمسناه في شخصية البطلة كفاح وقد نجح القاص في التجوال بشخصياته مانحا اياها قدرا من حرية الحركة وبين تدخله الشفيف حينا اخر فقد كان حضور القاص خفيف الظل مراقبا عليما حينا وراويا مشاركا حينا اخر.

نقد ثاني لقصة خفايا الجسد: بقلم الأستاذ: محمد المياحي/ العراق


نقد ثاني لقصة خفايا الجسد
بقلم الأستاذ: محمد المياحي/ العراق

لابدِ من الإشارة إلى أن هذا النص غني جدا, وعلى ما أضنه عُبأ بثيمات عديدة (انساق مضمرة) – حفريات نقد ثقافي – ولا يُقصد هنا (دراسة ثقافية)؛ لأعتماد السياق على مضمرات نصية (متعلقات بالنقد النسوي), وهذا ما أكد عليه (عبد الله غذامي), إذ يرى أن هناك جدل معرفي (ثقافة وهم) بان يوجد فضاء رحب وفسيح يقوم بين جسدين المذكر والمؤنث, من جانب آخر – اعتقد – أن القصة فيها (إيحاء) يلمح على انه معالجة لظاهرة (الجندرة) ومشكلة الجنس الثالث, وربما هي من الأمور المسكوت عنها في عالمنا الأدبي؛ ذلك لاقترابه – أي المسكوت عنه – من (الإوريتكية) –المحرم الجنسي– . يقول الراوي ((هي تهوى الحسان وتميل للملاح، رغم صراعها ضد هذه الميول والمشاعر الشاذة، يبقى الرجل في داخل خارطة الجسد هو المنتصر)), من الجميل في النص تأطير فضاء الجسد برؤيوية (الفحولة) وهذا يتضح من خلال تركيز الكاتب على الموصوف الذكوري المتماهي في الكيان الأنثوي, واعتقد أن القاص استشعر بأهمية توظيف (الجسد الإنساني) في فهم مجريات ثقافة العصر, فضلا عن ذلك يكشف السياق قدرة القاص على تطويع السرد القصصي والتوظيف اللغوي بشاعرية معمارية أضاءت القص ببلاغة سرد, ومن اللافت أن الكاتب (بأر) الحافز لسلوك الشخصية البطلة المتمثل بالمقتطع (هي لا تريد أن تكون فتاة.. بقدر أن تكون رجلاً عاشقاً.. ينعم بحب ومشاعر من أنثى كاملة... )؛ بهذا أمسى النص أكثر إشراقاً, عليه هناك إجادة ( فنية وموضوعية) متناهية في بنائية هذه القصة... ( النص فيه الكثير لا تسعى هذه العجالة للإلمام بها ),,, المبدع فلاح العيساوي شكراً جزيلاً على هذا النص الجميل ... تحياتي.

نقد لقصة خفايا الجسد: بقلم الأستاذة الناقدة: زكية بوقديد/ المغرب

 
نقد لقصة خفايا الجسد
بقلم الأستاذة الناقدة: زكية بوقديد/ المغرب

القصة تعالج ثيمة من الثيمات المسكوت عنها والتي تعتبر من الطابوهات الاجتماعية التي قلما نجد قلما أدبيا تطرق لها وإن تطرق لها الإعلام بشكل حذر.
قصتك تلمس واقعا صار كائنا واقع التركيبة الفيزيولوجية التي تطمس حقيقة النوع الجنسي لبعض الأشخاص فتكون امرأة بصورة رجل أو العكس.
قصة كفاح المعنونة ب"خفايا الجسد" هذا العنوان عنوان لا يحيلنا على قضية ما بشكل مباشر أو عنوان تلميحي بقدر ما هو لغز لم يحل إلا عن طريق سرد الأحداث وقد تم الكشف عن صورته إلا في الفقرة الثالثة للقصة: "سهول وهضاب، مرتفعات ومنخفضات، صدر ضامر وصغير، أرض يغزوها الزغب، سطح لا يوجد فيه ليونة ناعمة ولا نضارة لبشرة الأنثى الجذابة، ملامح وجهها أشبه بملامح الرجال، روح الأنوثة لا وجود لها، فقد قتلتها روح طاغية بمشاعر الرجولة، هي تهوى الحسان وتميل للملاح، رغم صراعها ضد هذه الميول والمشاعر الشاذة، يبقى الرجل في داخل خارطة الجسد هو المنتصر" لذلك الكاتب لم يجنح بالعنوان نحو الترميز أو الاستعارة أو المباشرة بل جعله صورة مركبة من الجسد وخفاياه وهي صورة لا تحيل على دلالة معينة إلا بقراءته ضمن سياق الأحداث سخر الكاتب من اجل ذلك تعابير مجازية وصور استعارية مثل: سهول وهضاب/ مرتفعات منخفضات/ أرض يغزوها الزغب/ سطح لا يوجد فيه ليونة ناعمة. هذه التعابير الكاشفة عن لغز العنوان هي في حد ذاتها المرآة الكاشفة عن معاناة كفاح.
لكن ما يشد القارئ في هذه القصة وأعني القارئ الذي دخل القصة بعين ناقدة هما: اسما بطلتي القصة: كفاح/ سوسن، فشخصية كفاح شخصية آنوية في القصة بالمعنى المحبط وليس بمعنى الاعتزاز، حيث فرد الكاتب كل مكونات القصة البنيوية: السرد، الحوار، الوصف من أجل أن يوصل لنا صورة الأنا المحبطة التي تعاني منها كفاح نتيجة الصراع بين كونها أنثى في المجتمع وبين تركيبتها وميولها الرجولي، هذا الصراع الذي يعود الفضل في تجاوزه طرف آخر وهو سوسن.
كفاح وسوسن، الإحالة الدلالية للاسمين معا يجعلنا أن نجزم أن الكاتب لم يختر الأسماء صدفة أو اعتباطا بل كان اختيارا مدروسا: كفاح رمز النضال: نضال كفاح وتحديها للأعراف الاجتماعية لتثبت نوعية جنسها الكائن داخلها.
سوسن تلك النبتة التي تنتهي بزهرة جذابة جذورها من الطيب لأنها بها عطر جميل، وسوسن القصة أنثى كاملة الأنوثة، جذابة الملامح. وهذا يدفعنا للقول أن الكاتب بذكاء منه سخر السمة الدلالية للأسماء ليجعلها من مكونات التصوير في القصة. وبين الأنا المحبطة عند كفاح وبين الأنوثة المكتملة عند سوسن نشب حب دفع بكفاح إلى التحدي من أجل إثبات رجولتها غير مستسلمة للتقاليد الهدامة، وجعل سوسن تقبل بكفاح زوجا لها بعد إثبات رجولته. هذا الحب السمة التي كانت تتوارى خلف خوف كفاح وخلف نصائح وتوجيهات سوسن طفحت على السطح كسمة أساسية لخلق مجتمع سوي. وبهذا الكاتب يوصل لنا رسالة اجتماعية: بالحب نذيب الأعراف والتقاليد والأفكار الهدامة للإنسانية، بالحب نقبل بالآخر ونتفهم المعاناة ونتشارك في إيجاد الحلول.
القصة سارت بلغة أدبية ممشوقة، بنيتها بنية متناسقة عرفت تزاوجا مترابطا بين السرد والحوار والوصف، لكن لابأس للإشارة إلى بعض الملابسات مثل علامات الترقيم التي تحدد فقرات القصة فمثلا الفقرة الأولى تبدأ من بداية القصة وتنتهي برحيل الهواجس (وضع نقطة نهاية بدل الفاصلة ثم العودة إلى السطر لبداية الفقرة الثانية تنهض في الصباح مبكرة...)
على مستوى اللغة هناك التباس لغوي، قلت تنهض في الصباح مبكرة على غير عادتها العبارة في دلالتها أنها كل صباح تنهض مبكرة هذا السياق لا يتوافق دلاليا مع على غير عادتها... إذا كنت تقصد استيقاظها من النوم مبكرة على غير عادتها فنقول: استيقظت هذا الصباح مبكرة على غير عادتها لتحيلنا الدلالة أنها كانت تستيقظ متأخرة وفي هذا الظرف استيقظت مبكرة نقول: استيقظت في الصباح متأخرة على غير عادتها... وإذا كنت تود وصف وقت استيقاظها يكفيك أن تقول: تنهض في الصباح مبكرة.
بالنسبة لمصطلح المكائن تقصد على ما أعتقد المكينة أي الآلة فهناك مجمع اللغويين يرجحون جمع الكلمة مكاين لأن الياء اصلية في الكلمة وليس الهمزة وهناك مجمع من اللغويين قالوا أن الكلمة ذات الأصل الأعجمي مثل المكينة تجمع على صيغة جمع المؤنث السالم المكينات مثل تليفون تليفونات لأن مكائن جمع كلمة مكين، مكان الاستقرار والمكائن في قصتك هي آلة وليس مكان.
والله الموفق الجميع.

خفايا الجسد

 
خفايا الجسد
 
نظرت في مرآتها، شيء غريب تشعر به، لا تفهم له معنىً، ما الذي يحدث معي؟.. لا أحسّ بتغيير في جسدي، لماذا أشعر أنني غريبة عمن حولي، ترى.. ما الذي أصابني؟.. ولماذا مشاعري مشوهة وتختلف عن مشاعر قريناتي؟.. تساؤلات عجيبة تطرحها على نفسها، ولكنها تعجز عن الإجابة على أيّ منها، تعود أدراجها إلى فرشتها وتسبح في سهاد عميق، تتمنى الوسن ورحيل الهواجس، تنهض في الصباح مبكرة على غير عادتها، تذهب إلى العمل، تجلس إلى احدى المكائن.. تحاورها احدى فتيات المعمل، ويبدو انها جديدة على العمل، تبدأها بالتحية مع ابتسامة جميلة كلها أنوثة ساحرة:
- مرحباً.. اسمي سوسن.. وأنت؟.
- أهلا وسهلا بك.. اسمي كفاح.
- انا عمري عشرون عاماً.. وأنت؟.
- عمري خمسة وعشرين سنة.
- هل أنت متزوجة؟.. لا ألمح في أصبعك خاتم الزواج؟.
- أنا عذراء.. ويبدو أنّني لن أتزوج؟.
- ولمَ لا وكل العذارى يرغبن بالزواج والأطفال والأسرة السعيدة؟
تنهدت واعتصرت الألم في ذاتها، فمشاعرها ذبيحة، لم تشأ الإفصاح عن مكنون سرها الدفين الذي قتل في داخلها روح الأنوثة، لذلك غيّرت مسار الحوار.. فهي ترغب بالتعرف على سوسن.. الفتاة الجميلة ذات اللسان العذب ذو الحديث الجذاب.
سهول وهضاب، مرتفعات ومنخفضات، صدر ضامر وصغير، أرض يغزوها الزغب، سطح لا يوجد فيه ليونة ناعمة ولا نضارة لبشرة الأنثى الجذابة، ملامح وجهها أشبه بملامح الرجال، روح الأنوثة لا وجود لها، فقد قتلتها روح طاغية بمشاعر الرجولة، هي تهوى الحسان وتميل للملاح، رغم صراعها ضد هذه الميول والمشاعر الشاذة، يبقى الرجل في داخل خارطة الجسد هو المنتصر.
هكذا كانت معاناتها لعدة سنوات عاشتها وهي ترغب أن تكون مثل الشباب بهيئتهم وشكلهم.. بلا حجاب يستر شعر رؤوسهم.. وبلا عباءة سوداء تغطي أجسادهم.. هي لا تريد أن تكون فتاة.. بقدر أن تكون رجلاً عاشقاً.. ينعم بحب ومشاعر من أنثى كاملة.. مثل سوسن ريم المدينة.
الصداقة طيف ساحر لطيف، هو فيض مقدس يأسر قلوب الأوفياء، تحققه في الواقع عطر يفوح بالشَّذا والعبير، كفاح دماؤها حرّكت مشاعرها تجاه سوسن التي وجدت في صداقة كفاح معاني الدّعة والحبور، لكن هي تعيش في سيول متلاطمة من المشاعر غير المفهومة.
بمرور الأيام ازدادت فيها أواصر الصداقة والانجذاب إلى حد الكشف عن المفاتن.. كفاح كانت تنظر إلى صديقتها بمشاعر خاصة تفصح عنها بأسلوب المزاح.. لكن داخلها يعشق سوسن.
مقاومة الحب شيء مستحيل، وكلما ازدادت المقاومة زاد انتصار الحب.. سوسن كانت تخجل من كلمات صديقتا ومشاعرها الغريبة، لكن كفاح لم تكن تخجل من مشاعرها الصادقة.
سوسن كانت تتوق لمعرفة اسباب عزوف صاحبتها عن الزواج، في داخل الانثى مشاعر أمومة يحيط بعالم الوجود.. لم تتراجع عندما سنحت الفرصة في مكان لا ثالث معهما.. أسرعت سوسن.. وقالت: أخبريني لماذا لم تتزوجي؟
كفاح تأوهت وأطلقت حسراتها.
- في داخلي رجل.. الأنثى الكاملة أنت.
- لم أفهم كلماتك المشفّرة.. أرجوك أفصحي؟
- في جسدي يكمن رجل كامل، وروحي تعشقك وأنا أرغب في الاقتران بك.
- كفاح.. أتركي المزاح الأن.. أريد جوابك؟
- داخلي مشوّه.. أنا لست أنثى.. جسدي لا يحمل كل مواصفات النساء.. أنا رجل في جسد نصف أنثى.. مشاعري تصرخ بالرجولة.
ظهرت الدهشة على وجهها.. أطرقت رأسها إلى الأرض تفكّر والذهول يسيطر عليها.. أسرعت كفاح تلاطفها.
- سوسن حبيبتي.. هوني عليك.
- هل حديثك كان مزاحاً؟
- حديثي؟.. صرخت رجل سجن وقمع في جسد أنثى.
- هل حاولت اكتشاف نفسك من خلال الفحوصات الطبية.. فالطب الأن متطور جداً؟
- لا.. الخوف يكبّلني وقيود الأعراف أقوى وأقسى.
اسهبت سوسن بسيل من النصائح والتوجيهات.. هذا الموضوع لا تهاون فيه عليك بإصلاح جسدك فأنت أنثى تستحق الحصول على أسرة رائعة، الطب يعالج تشوّهات الجسد، لا تدفني نفسك في الحياء، اتركي مشاعرك الرجولية، أو اركنيها في زاوية سحيقة، انطلقي وحطّمي جميع القيود التي تجتاحك.
كلماتها خرجت من قلب محبّ، اخترقت قلب عاشق، فأسرعت كفاح إلى أشهر طبيبة نسائية، كشفت عليها وطلبت منها إجراء فحوصات عبر أجهزة (السونار) وغيرها، دهشت الطبيبة أثارت تساؤلها وإلحاحها لمعرفة النتائج.
- دكتورة.. اخبريني.. هل أنا فتاة سليمة أستطيع الزواج؟
- الحقيقة لا اعرف ماذا أقول!
- اخبريني أني لست أنثى.. أنا اعرف انني رجل..
- فعلاً.. ان ظاهرك أنثى.. لكن في داخلك رجل.
كلام الطبيبة لم يكن صادماً لمسامع كفاح.. شعورها بالرجولة كان يرافقها منذ مراحل الصبا والبلوغ.. الطبيبة أرسلتها إلى طبيب مشهور في طب التجميل، والذي بدوره أخبرها بضرورة التحوّل، التشوّه الولادي كان السبب في حرمانها من حياتها الطبيعية.
اتخذت قرارها دون تردد، استِعادت هويتها الحقيقية أصبحت غايتها المنشودة، أسرعت بتقديم طلب إجازة من العمل لإجراء العملية.. التقت بسوسن وكشفت أمامها عن نتائج الفحوصات وقرارها بالتحوّل، وحبها الذي سوف يصل إلى اسمى حالات العشق والهيام.
اثر الصدمة على سوسن جعلها تطلب اجازة مفتوحة من العمل.. جلست في البيت وهي تتذكر كيف كانت تكشف عن مفاتنها أمام صديقتها الرجل!.. كيف سوف أتقبل الواقع الجديد؟.. أنا خسرت اغلى صديقة إلى قلبي.. كيف لي أن اقف أمامها من جديد؟.. قطعاً سوف أبدو أمامه عارية الجسد.. أنا أحببتها من صميم قلبي.. هل سوف يحرمني القدر منها؟.. منها!.. مِن، منَ؟.. هي في الأصل هو.. هل أنا أحببتها أم أحببته هو؟.. اذا تقدمت لخطبتي هل اوافق على الاقتران بها؟.. أنا أتزوج كفاح!.. ولم لا وهي صديقتي الحبيبة.. يا لسخرية القدر.. سوف اجن.
تساؤلاتها زادت من حيرتها الموقف رهيب جداً، الهروب من الهواجس والحيرة سبيل خلاصها الوحيد، قلبها أحب كفاح، وأن اصبحت رجل!.. فهما شخص واحد، قلبها قرر عدم هجر من أحب، فخضعت له.
البنت اصبحت رجلاً بعد عملية جراحية تجميلية، استعادت فيها كفاح ضالتها المفقودة، اصبحت بعد ثلاثة أشهر من العلاج رجل كامل ولد بعمرٍ كبير.. طوال الأشهر الماضية.. كفاح صارع فقدان الحبيبة واللقاء بها، رغم أن صورتها الجميلة لم تفارق خياله العاشق، هو لا يستطيع تحمل فراقها، لذا حزم أمره، وأرسل أهله لخطبتها، سوسن طارت فرحاً وتأكد عندها حب كفاح لها.. فسارعت بالموافقة.
كفاح حقّق حلمه باقترانه بسوسن التي أحبّت كفاح.. والتي لم تكن تتصور انها في يوم من الايام تصبح زوجاً لها.

سحر الليل

 
سحر الليل

فوق سطح الدار، كنت اقف اتأمل معاني غروب الشمس وجمال حمرة الشفق في الأفق الرحب، وقت الغسق تهيم الروح بتلك الحمرة التي تشبه لُمى الكاعب الهيفاء، ظهرت النجوم واختفت حمرة الشفق في غياهب الديجور، شاهدت أمي تصعد السلم، كانت تحمل فوق رأسها طست العجين المختمر، كّسرت الحطب ثم وضعته في التنور، أشعلت النار التي اضاءت السطح بلهيب السنتها المتصاعدة إلى عنان السماء، قطّعت العجين وجعلت كل قطعة اشبه بالكرة الصغيرة، اخذت قطعة وضربتها بيديها بقوة حتى استدارت، ثم ضربتها في جدار التنور فلصقت، أستوى القرص، فأخرجته أمي وهو يفوح رائحة زكية وشهية، حولت نظري إلى القمر، فقد كان بدرا ساطعا في وسط السماء، ضوؤه عم السطح بعد أن انطفأ سجار تنور أمي، تحرك القمر بشكل غريب وسريع نحو جهة مغرب الشمس حتى أفل في المغرب، بقيت النجوم وحدها تتلألأ، الحدث اذهلني وجعلني افرك عيني بقوة، بعد لحظات أشرقت الشمس من مغربها بسرعة وأخذت مكان القمر، اختفت النجوم من السماء بقوة نور الشمس، الرهيب والمفزع أن الشمس توهجت بقوة حتى انفجرت وتشظت إلى قطع صغيرة انتشرت في عموم السماء واصبحت نجوم، خرج القمر من المغرب وأسرع ليأخذ مكانه الأول قبل الأفول، أنار سطحنا من جديد، والدهشة أيقظتني من حلمي الخالد، الذي لم اعرف تفسيره ومعناه إلى اليوم، هو ما يزال في ذاكرتي، رغم مرور اكثر من عشرين سنة.

سيرة ذاتية: للكاتب فلاح العيساوي


سيرة ذاتية
 
فلاح العيساوي/ العراق
***********
الاسم: فلاح عبد الحسن صاحب العيساوي.
العمر: 40 سنة، مواليد سنة 17/ 8/ 1974 ميلادي.
المهنة: كاسب.
العنوان: العراق/ محافظة النجف الأشرف/ قضاء الكوفة.
رقم الهاتف: 07803216218 زين العراق.
البريد الإلكتروني: ffhh_99@yahoo.com / fffhh9@gmail.com
التحصيل الدراسي: شهادة الثالث متوسط الإسلامي.
الهواية: القراءة والمطالعة، والتأليف، وكتابة البحوث، والمقالات المنوعة، وكتابة القصة القصيرة، والقصيرة جداً، والقصة الومضة.
-       عضو نادي القصة في اتحاد الأدباء والكتاب في النجف الأشرف.
-       عضو رابطة الأدباء العرب.
-       عضو نادي ذي قار للقصة الومضة.
المؤلفات:
1- شذرات ناعمة/ مجموعتي الأولى للقصة القصيرة جداً/ صادر عن مركز الدعم للثقافة والفنون في اتحاد أدباء ديالى، تقديم القاص الأستاذ ياسين خضر القيسي، مطبوع.
2- اغلى من الذهب/ مجموعتي الثانية للقصة القصيرة/ تقديم ودراسة الناقد الأستاذ ظاهر حبيب الكلابي، غير مطبوع.
3- أريج أفكاري/ مجموعتي الثالثة للقصة القصيرة جداً/ غير مطبوع.
4- عودة شهرزاد/ مجموعة حكايات تراثية/ غير مطبوع.
5- حواريات المنتظرين/ غير مطبوع.
6- إبليس من المطلع إلى المصرع/ غير مطبوع.
7- إبليس في القرآن والسنة/ غير مطبوع.
8- شاركت مجموعة قصصية قصيرة جداً، في كتاب مشترك مع الأديب سالم هاشم من مصر، والأديب علي عيسى الوباري من السعودية، والأديبة ريما ريماوي من الأردن، تحت عنوان (الزئبق والنساء) دراسة وتقديم أ. أسعد عبد الوفي (أسعد أبو الوفا)، من منشورات مؤسسة (يسطرون) للطباعة والنشر والتوزيع/ مصر سنة 2014. وكان ضمن معرض القاهرة الدولي للكتاب الدورة 45.
9- اشتركت بقصص في أول كتاب عربي من نوعه (للقصة القصيرة جداً) ضمن (111) أديب عربي، الذي جمعه الأديب الروائي المصري فؤاد نصرالدين، وتم طبعه ونشره في مصر من قبل (مؤسسة رهف) تحت عنوان (قصص عربية قصيرة جداً) سنة 2013، وكان ضمن معرض القاهرة الدولي للكتاب الدورة 45.
10- نشرت قصتي القصيرة (رحلة إلى الخلود) التي حصلت على المركز الثالث في مهرجان السفير الثالث، في كتاب (أدبيات مهرجان السفير الثقافي الثالث) إعداد قسم الشؤون الفكرية والثقافية، الناشر أمانة مسجد الكوفة والمزارات الملحقة به، الطبعة الأولى/ سنة 1435-2014م.
- حاصل على جائزة مهرجان السفير الثالث في الأبداع الفكري للقصة القصيرة سنة 2013.
البحوث:
1- التأويل حقيقة قرآنية.
2- الحسين في القرآن والسنة/ منشور على الأنترنيت.
3- أوجه الاختلاف والالتقاء في تفسير سورة الفاتحة عند السيد الطبطبائي والسيد الخوئي والسيد السبزواري/ غير منشور.
4- آيات الصيام وأحكامها في القرآن الكريم/ غير منشور.
المقالات وما كتب عني:
كتبت العديد من المقالات الإسلامية والسياسية وغيرها، وكلها منشورة على صفحات الأنترنيت، ونشرت لي بعض الصحف والمجلات العراقية قصص قصيرة وقصيرة جداً، كما نشرت جريدة العراق اليوم في عددها 2112 بتاريخ: 6 / 5 /2014 مقال بعنوان (القاص فلاح العيساوي) بقلم الأديب والناقد المصري الأستاذ أسعد أبو الوفا، كما نقد الأستاذ الناقد فراس حاج محمد من فلسطين أحدى قصصي القصيرة جداً بعنوان (حور عين) بالنقد وجعلها ضمن كاتبه قراءات ونصوص.
ملحق الصور:
  
عضوية رابطة الأدباء العرب


 
هوية نادي ذي قار للقصة الومضة


 
غلاف مجموعتي القصصية (شذرات ناعمة).
غلاف مجموعتي القصصية (اغلى من الذهب).
غلاف الكتاب الذي اشتركت فيه بقصصي القصيرة جداً.
غلاف كتابنا المشترك (الزئبق والنساء).
 

مقال الناقد المصري أسعد أبو الوفا في جريد العراق اليوم.
قصتي (حور عين) في كتاب قراءات ونصوص.
 

شهادة مهرجان السفير الثقافي الثالث.